يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ

يُعدّ الاعتقاد بمراتب الأولياء من أبرز المعالم في كثيرٍ من الاتجاهات الصوفية، ولا سيما في صورتها المتأخرة. وتُعدّ كتب محيي الدين ابن عربي، كالفتوحات المكية وفصوص الحكم، من أهم المصادر التي أثّرت في بناء كثيرٍ من التصورات الصوفية اللاحقة.

ويقدّم ابن عربي تصورًا واسعًا لمراتب الأولياء، يجعل فيه لكل مرتبة وظيفة مخصوصة، فيذكر الأقطاب والأئمة والأوتاد والأبدال والنجباء والنقباء، فالقطب عنده هو أعلى أولياء زمانه، وتُنسب إليه معانٍ تتصل بالغوث والعطاء، وتُذكر الأبدال على أنهم إذا مات واحد منهم أبدل الله مكانه آخر، ويُذكر الأوتاد في سياق تثبيت العالم، كما يتكلم عن النجباء فيجعل لهم نوعًا من التدبير — بإذن الله — في شؤونٍ جزئية، وأما النقباء فيُوصَفون بالمعرفة بأحوال الخلق باطنًا، ويُذكر أن لبعضهم علمًا لدنيًا يأخذونه عن الله بلا واسطة، أو كما يعبّر: بلا فكر ولا نظر.

وهكذا تشكّل تصورٌ يمنح بعض الأولياء خصائص في العلم والتأثير تتجاوز الإطار المعتاد، وهو ما أثار نقاشًا واسعًا في فهم هذه المراتب وحدودها. ولم يقف هذا التصور عند ابن عربي، بل نجده عند عبد الوهاب الشعراني في كتابه الطبقات الكبرى، حيث ينقل تفاصيل في أعداد هؤلاء الأولياء وترتيبهم، ويجعل “الغوث” — أي كشف الكرب — منسوبًا إلى القطب، ويذكر — على منوال من سبقه — الأبدال والنجباء والنقباء، ناقلًا ذلك عن تراثٍ سابق.

كما نجد أن مصنفاتٍ أخرى، كـكتاب قوت القلوب لـأبو طالب المكي، والرسالة القشيرية، لا تعرض هذا النظام بنفس الصورة ولا بنفس التفصيل، بل يختلف فيها ذكر هذه المراتب، أو يغيب تحديدها العددي، كما يظهر في مصنفاتٍ متأخرة — ككتاب الإنسان الكامل لـعبد الكريم الجيلي — توسّعٌ في هذا البناء وربطه بنظام الوجود.

ولا يقتصر هذا التفاوت على الأعداد والمراتب، بل يمتد إلى ما يُنسب للأولياء من خصائص، ففي حين يوسّع بعضهم — كما في الفتوحات المكية — في باب “الكشف”، وما يترتب عليه من اطلاعٍ على حقائق لا يدركها غيرهم، نجد في مصنفاتٍ أخرى — كالرسالة القشيرية — تفسيرًا أكثر تقييدًا، يجعله في حدود الإلهام والفراسة، دون إطلاق في الغيب، كما تختلف أقوالهم في “الكرامة” وحدودها، بين من يثبت لها أثرًا يتجاوز العادة، ومن يقيّدها بعدم خروجها عن سنن الأسباب إلا على وجهٍ خاص.

وهذا التفاوت في قضايا مترابطة — كمراتب الأولياء، والكشف، والكرامة، وحدود ما يُنسب لهم من علمٍ أو تأثير — مع كونها جميعًا من الأمور الغيبية التي يُفترض فيها الثبات — يدل على اختلافٍ بيّن في بنية هذا التصور، وعدم استقراره على وجهٍ واحد.

﴿ألَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ۚ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ(3)﴾ – الزمر

﴿ألَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ فالله تعالى لا يرضى إلا أن يتوجه قلب الإنسان بكامله إليه في رجاء خيري الدنيا والآخرة؛ فابتغاء الرزق، والزوج، والذرية، والتوفيق، والجنة، بل ورضاه سبحانه، إنما يكون منه وحده. فكل توجهٍ للقلب إلى غير الله لا يرضاه، ولو كان القصد به القرب إليه.

﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ اختلف الناس؛ فمنهم من عبد الله كما أنزل على رسله، ومنهم من انحرف في عبادته، ومنهم من عبد غير الله بحجة التقرب إليه، والله تعالى يخبر أنه سيحكم بين هؤلاء جميعًا، وفي ذلك وعيدٌ لمن خالف أمره.

﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ يتخذ بعض الناس أولياء، ظنًّا أن لهم من العلم أو القدرة ما يفوق النواميس الكونية المعروفة، أو اعتقادًا بأنهم يُقرّبونه إلى الله. وهكذا يُقيمون عقيدتهم على ظنٍّ لا دليل عليه، وبما أن الظنون متعددة، تتباين وتختلف تبعًا لها التصورات والعقائد والأفكار الباطلة التي تُبنى عليها.

إن رفع بعض الشخصيات إلى مقامات لا دليل عليها ظاهرة تتكرر عبر التاريخ، ويرجع سببها إلى الاعتماد على أقوال وتأويلات بشرية في أمور غيبية يُفترض فيها الاقتصار على ما ثبت. ولذلك حذّر الله تعالى من إدخال تصورات لا دليل عليها في الدين أو الترويج لمعتقدات باطلة، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ وفي هذا التحذير بيانٌ أن من يسلك هذا المسلك يُحرم من هداية الله؛ فمن لم يهده الله ضل، ومن أضله فمصيره جهنم. وهكذا يكون الجزاء من جنس العمل؛ أضلّ الناس فحُرم الهداية. وقد وصفت الآية هذا المُضل بصيغة الفاعل ﴿كَاذِبٌ﴾ ثم بصيغة المبالغة ﴿كَفَّارٌ﴾، لأن قولًا باطلًا واحدًا قد يصدر من إنسان، ثم تتسع آثاره عبر الزمن، فيتبعه كثير من الناس، وقد يفضي ذلك إلى وقوعهم في الكفر في أزمنة وأماكن متعددة.

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ إن كل إنسانٍ مسؤولٌ عن نفسه، وإن اتباع آراء ومعتقداتٍ لا بيّنة عليها قد يجعله مروِّجًا لقولٍ باطل، فيتسع أثره ويضلّ به غيره. ومن كان كذلك فقد دخل في التحذير الوارد في الآية؛ إذ إن الترويج لما لا دليل عليه في أمور الدين من أسباب الضلال وحرمان الهداية.

Facebook
X
LinkedIn

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Scroll to Top