يتكون الكون من مجموعة من أنواع مختلفة من البُنى، فهناك المجرات التي تجتمع مع بعضها البعض لتشكل المجموعات والعناقيد، والعناقيد تُشكل بدورها العناقيد الفائقة، وفي العناقيد الفائقة نجد فراغات عظيمة تُحيط بها جدران وصفائح، وهذه كلها تتصل عن طريق خيوط والتي هي توزّع للمادة (غازات ومجرات) في بعد واحد. السؤال الذي يطرح نفسه، كيف يُفسر علماء فيزياء البنية الكونية تشكل هذه البنى المختلفة؟
لا يصف علماء الفيزياء الفلكية سلوك المادة في الفضاء كنقاط أو تجمعات منفصلة عن بعضها البعض، تتجمع هنا وتنفصل عن بعضها البعض بفراغات، بل يصفونها في بعض النماذج كأنها غشاء مستمر من الجسيمات (للمتخصصين بالفيزياء: يُسمى بالفضاء الطوري Phase-space والذي يُمثل موقع وسرعة الجسيمات وليس مكانها فقط). في بداية خلق الكون، كان هذا الغشاء ناعما ومنتظمًا تقريبا، حيث تتوزع الجسيمات فيه بشكل شبه متساوي مع اختلافات صغيرة جدا في الكثافة. لكن مع مرور الزمن، بدأت تظهر تجمعات من هذه الجسيمات وتكتلات المادة أنشأت قوة جاذبية، ولهذا تحركت الجسيمات المجاورة نحو هذه التجمعات. عند هذه النقطة، يتحدث علماء الفلك عن ظاهرة تُطرح في بعض النماذج الفيزيائية والتي هي: أن الغشاء الكوني لا ينقطع، لكنه ينطوي على نفسه، ويُسمونها بالـ folding.
من هذه الطيات، وتكررها في اتجاهات أخرى، ظهرت البنى الفلكية مختلفة المستويات، مثل الصفائح والجدران، الفراغات، الخيوط التي تتقاطع لتشكل الـ clusters. بهذا المعنى، فإن كل البُنى الكونية — من الصفائح إلى العناقيد — يمكن فهمها — إلى حدّ ما —نتيجةً لتشكل معقّد في توزيع المادة، يُشبه إلى حدّ ما عملية الطيّ.

نظرية الانهيار العظيم Big Crunch هي واحدة من عدة نظريات أخرى تصف سيناريو نهاية توسع الكون. تقول هذه النظرية: إنه قد يأتي وقت يتوقف فيه تمدد الكون، ويبأ بالانكماش، في هذه الحالة، لا تختفي البُنى الفلكية العملاقة ببساطة، ولا يعود الكون إلى شكل بسيط كما كان في البداية. بل يحدث العكس تمامًا: يزداد “الطيّ” أكثر وأكثر، وتصبح الأمور أكثر تعقيدًا. تختفي الأشكال الواضحة مثل الصفائح والخيوط، لكنها لا تختفي فعليًا، بل تندمج ضمن طيّ شديد الكثافة والتشابك.
قد يبدو منطقيًا أن الكون عند الانهيار يعود إلى “نقطة واحدة بسيطة”، لكن الواقع أعمق من ذلك. فحتى لو انضغط الكون جدًا، فإنه لا يصبح بسيطًا، بل يبقى داخليًا شديد التعقيد، مليئًا بطيات متراكبة.
بمعنى آخر، الكون قد يصبح صغيرًا جدًا، لكنه لن يكون “بسيطًا” أبدًا. يمكن تلخيص الفكرة كلها كالتالي:
الكون بدأ بسيطًا مثل قماش ناعم،
ثم تشكّلت كل البُنى الفلكية بسبب طيّه،
وإذا انهار يومًا، فلن يعود بسيطًا،
بل سيصبح أكثر تعقيدًا نتيجة هذا الطيّ المستمر.
في سيناريو الانهيار العظيم (Big Crunch) تتقارب كل المادة إلى حيّز أصغر بكثير، لكن لا تبقى “مادة صلبة” كما هي، بل تفقد كل أشكالها المعروفة (كوكب، نجوم .. ) لتتحول إلى حالات أكثر بدائية وكثافة. فمع ارتفاع الحرارة والكثافة، تتفكك الذرات وتختفي البنية الصلبة تماما ولا يبقى صخر أو غاز كما نعرفه. هنا تتحول المادة إلى بلازما شديدة الكثافة ثم جسيمات أولية (وهي المكونات الأساسية للذرات).
أنا كمسلم أؤمن بالله تعالى، وأؤمن بما أخبر به في كتابه، وهذه النماذج العلمية — مهما بلغت دقتها — لا تُثبت النص القرآني ولا تُنشئ معناه، لكنها قد تُقرّب بعض صوره إلى الأذهان.
فعندما يتأمل الإنسان في هذه التصورات الكونية، وكيف يمكن أن تنطوي البُنى الهائلة وتندمج ضمن طيّ شديد التعقيد، فإن ذلك يُعينه على تصور — ولو على وجهٍ تقريبي — معنى قوله تعالى:
﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ (67)﴾ – الزمر
فهذا الطيّ ليس مجرد ظاهرة فيزيائية جزئية، بل هو في حقيقته تعبيرٌ عن كمال القدرة الإلهية، وأن هذا الكون بكل ما فيه — على سعته وتعقيده — واقعٌ تحت سلطان الله، يتصرف فيه كيف يشاء.
﴿الْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ لو أتينا بحبة برتقال، وطلبنا من عدة أشخاص أن يضغطوا عليها بقبضة أيديهم، فإن مقدار الضغط يعتمد على قوة كل شخص، وهنا يقول الله تعالى: الأرض — جميعًا — ستكون في قبضة الله تعالى، وقبضة الله تعالى قوية، مما يُصوِّر شدة القدرة الإلهية على هذا الكون.
﴿الْأَرْضُ جَمِيعًا﴾ هذه الأرض الواسعة الرحيبة، ستكون كلها في قبضة الله تعالى، وهذا يوحي بمقدار صغرنا وضعفنا وعجزنا نحن البشر أمام قوة المولى عز وجل. لفظ ﴿جَمِيعًا﴾ يُعلمنا أنه لن يُستثنى أي طرف من أطراف هذه الأرض التي نعيش عليها، ولا أية مجموعة من عناصره وفلزاته وصخوره مهما قست وصلدت. إن الله يُطلعنا هنا على مقدار قوته وعظمته.
﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ يجتمع هنا السحق لهذا الكون بقوة قبضة الله تعالى – خالق السنن والقوانين الكونية بعلمه وحكمته تعالى – مع طي السماوات بيمينه، وبما أنهما يقعان بقبضة الله ويمينه — ذي العز والإكبار — فإن ذلك يُشعر بعِظَم القبض وشِدّة الطيّ، وهذا الوصف لما ستؤول إليه حال السماوات والأرض هو معنى عام تُقارب بعض النماذج الكونية — مثل سيناريو الانهيار العظيم (Big Crunch) — بعضَ صُوَره.
تطرح بعض نماذج الفيزياء الكونية أن البنى الكونية العملاقة تشكلت بداية من طي النسيج الكوني، وأن انهيار هذا النظام الكوني قد يعني المزيد من طيات معقدة ومتشابكة تُفضي — في بعض الفرضيات العلمية — إلى انكماش وسحق شديد. وصورةُ بدايةِ تكونِ البُنى الكونية ونهايتها بفعل الطي – في بعض النماذج العلمية –تُقارب في التصوير الذهني قول الله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ۚ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ۚ وَعْدًا عَلَيْنَا ۚ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾.
كانت أحوال السماوات غيبًا مطلقًا حينما نزل القرآن الكريم على أهل الأرض جميعًا، ثم مضت القرون، واتسعت معارف الإنسان، وتقدمت وسائله، فإذا به يكتشف أن ما يراه في آفاق الكون لا يصادم ما أخبر به القرآن، بل يُقرِّب معانيه ويُجلِّيها. وإنَّ عدم التعارض بين ما يكتشفه الإنسان اليوم وما أخبر به القرآن، رغم الفارق الكبير في الأزمنة والمعرفة، هو في حد ذاته أمر يدعو إلى التأمل، فكيف بما أخبر الله به من الغيب الأعظم: غيب الجنة والنار ويوم القيامة وما فيها من تفاصيل؟ إن هذا ليدعو الإنسان إلى أن يقف أمام ما في هذا الكتاب من غيب وقفة صدق، وأن يأخذ خبره مأخذ الجد والاستعداد.