إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ

تؤثر شخصية الإنسان وسلوكياته على نظرة الآخرين له، وعلى أسلوب تعاملهم معه؛ فنظرة الناس وتعاملهم مع الإنسان الكاذب ليست كنظرتهم إلى من يصدق في كل كلمة يقولها، ونظرتهم لمن يسعى إلى التملص من واجباته وحقوق الناس عليهحتى إن كانت مدوّنة في عهود ومواثيق—ليست كنظرتهم لمن يؤدي ما عليه عن طيب نفس.

إن هذه النظرة لشخصيات الناس، التي تنبع من سلوكياتهم، تنعكس مباشرةً على تعاملهم معهم، بل إن شخصية الإنسان وسلوكياته قد تقوده إلى الانحراف واتخاذ قرارات حياتية خاطئة، ولا يعني ذلك أن كل قرار خاطئ يكون سببه انحراف في الشخصية.

إن سلوك الإنسان في الحياة يمتد إلى علاقته مع ربه، فالله تعالى أخبر عن نفسه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾، كما يبيّن أنه قد يحرم من هدايته من استقرت في نفسه خِصال يكرهها الله وتمجّها الفطر السليمة، فقال تعالى:

﴿ألَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ۚ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ(3)﴾ – الزمر

الأصل اللغوي لكلمة الكُفر هو ستر الشيء وتغطيته؛ يُقال للفلاح كافر لأنه يغطي البذر بالتراب. ومن هذا الأصل جاء المعنى الأوسع، وهو ستر الحق وردّه بعد ظهوره. فكأن تُطالب شخصًا بأن عليه مبلغًا أو واجبًا، ثم يجحده مع قيام الدليل عليه، وقد وصف الرسول صلى الله عليه وسلم النساء بأنهن “يكفرن العشير” أي ينكرن طيب العشرة عند الخلاف. ومن هذا كله جاء المعنى الشرعي الاصطلاحي، وهو جحود الحق الذي جاء به النبي ﷺ مع قيام البينات والبراهين التي تؤيده.

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ إذا اجتمع في الإنسان خُلق الكذب وخُلق الكفر، كان ذلك من أعظم أسباب حرمانه من هداية الله.

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ يولد الإنسان، ويجد أمامه في حياته كمًّا هائلًا من الأفكار والمعتقدات عن الكون والحياة: مذاهب وديانات واتجاهات شتى، وفي النهاية هو مسؤول عن اختيار التصور الصحيح. وهداية الله للإنسان إلى التصور الصحيح عن الحياة والكون هي من أعظم النعم التي يمنّ الله بها عليه، غير أن الله قد يحرم بعض الناس من هذه النعمة إذا استقرت في نفوسهم خصال الكذب وإنكار الحق حتى صارت طبعًا لهم.

وليس وصف القرآن للإنسان بأنه ﴿كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ مجرد حكمٍ على موقفٍ عقديٍّ معزول، بل هو كشفٌ عن بنيةٍ داخليةٍ في النفس؛ فالكذب إذا صار خُلُقًا متكررًا، واعتاد صاحبه التهرب من الحق أو رده، صار الكذب عدسةً يرى بها كل شيء حتى يصل إلى درجة أن يكذب على نفسه، ومن اعتادت نفسه التغاضي عن الدلائل القاطعة، فلن تقوده كثرة البراهين إلى شيء..

فالقضية ليست أفكارًا تُعرض، بل نفسٌ تتهيّأ للحق أو تُعرض عنه؛ فمن صدق مع نفسه ومع الله ومع الناس، وألزمها الإذعان للحق في كل موطن، استحق هداية رب العالمين.

Facebook
X
LinkedIn

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Scroll to Top