الشرك بالله انحرافٌ في التصور العقدي، ينشأ في المجتمعات البشرية نتيجة الجهل أو التقليد أو اتباع الهوى، وقد وقع في بعض المجتمعات المنتسبة إلى الإسلام في صورٍ متعددة.
ومن هذه الصور ما ظهر عند بعض الاتجاهات الغالية المنتسبة إلى التصوف، حيث بالغت في تعظيم بعض شيوخها، فاخترعت لهم رتبا مثل “القطب”، وادّعت أن له قربًا خاصًّا من الله، وأنه سببٌ أو واسطة في إيصال بعض شؤون الخير إلى الخلق، بل وربما نسبت إليه نوعًا من التصرف في الكون، ويُذكر في بعض كتب التصوف تقسيمٌ لمراتب الأولياء (كالقطب والأوتاد والأبدال)، وهو طرحٌ مختلفٌ في تفسيره، وليس محلَّ اتفاقٍ بين جميع المنتسبين إلى التصوف، غير أن بعض صور الغلو نسبت إلى هذه المراتب خصائص لا تليق إلا بالله تعالى، كحفظ الأرض من كل سوء، أو ادعاء الاطلاع على بعض الغيب.
ولهذا أفضت بعض هذه المعتقدات في صورها الغالية إلى ممارسات شركية كالدعاء للأموات من شيوخ هذه الطرق، والاستغاثة بهم، والنذر لهم، والذبح لهم، وطاعتهم في ابتداع عبادات لم يأذن بها الله. وفي هذا كله يقول الله تعالى:
﴿ألَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ۚ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ(3)﴾ – الزمر
“الوليّ” في اللغة هو من قام بأمر غيره أو تولّاه، فيُقال: “ولّي أمر الطالب”، وهو كذلك النصير والحليف وحينما يتخذ الإنسان وليًّا
يعتقد أن له قدرةً على تحقيق مطلوبه أو نصره، تعلّق قلبه به راجيًا ما عنده.
﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ أي أن من الناس من جعل له أولياء من دون الله يتوجّه إليهم ليتولّوا أمره، محتجّين بقولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ﴾، وهذه الحجة قديمة متجددة، احتج بها الجاهليون لعبادة أصنامهم، واحتجت بها طوائف من المسلمين لتبرير ممارسات شركية تتعلق بأئمتهم أو شيوخهم، واحتج بها كذلك أناس من أتباع الديانات ذات الأصل التوحيدي لتغيير دينهم.
إن اتخاذ الأولياء من دون الله لا يقف عند مجرد التعلّق القلبي، بل قد ينتهي بصاحبه إلى عبادتهم من دون الله، كما صرّحوا بذلك بقولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ﴾.
﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ﴾ وإذا تعلّق القلب بغير الله رجاءً في أمرٍ لا يقدر عليه إلا الله، كان ذلك من العبادة التي لا تُصرف إلا له سبحانه.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ فاختلف الناس: فمنهم من أخلص العبادة لله كما أنزل على رسله، ومنهم من انحرف في عبادته، ومنهم من عبد غير الله بحجة التقرب إليه، والله تعالى يخبر أنه سيحكم بين هؤلاء جميعًا، وفي ذلك وعيدٌ لمن أشرك مع الله أولياء، فصرف لهم ما لا يكون إلا لله من العبادة.