الدِّينُ الْخَالِصُ

تقوم العقيدة في الديانة النصرانية (المسيحية) على التثليث، والذي يعني الإيمان بالأب والابن والروح القدس كإلهٍ واحد في ثلاثة أقانيم، وهذه الأقانيم تُفهم عندهم على أنها تمايزٌ في الأقنوم مع وحدةٍ في الجوهر، وهو طرحٌ يصعب تصوره عقليًا بصورةٍ دقيقة، كما أن الطوائف النصرانية الرئيسية قدّمت صيغًا تفسيرية متعددة له، غير أنها لم تُنهِ الإشكال الفلسفي المتعلق بكيفية الجمع بين الوحدة والتعدد.

وتؤمن النصرانية بصورتها اللاهوتية السائدة بأن الإله تجسّد في جسد، والنقد المنطقي لهذه الفكرة يقوم على التساؤل عن كيفية اجتماع الكمال الإلهي المطلق مع الضعف البشري الذي يحتاج إلى الأكل والنوم، ويعتريه الألم والانفعال البشري.

وتعتقد الطوائف النصرانية أن البشر ورثوا خطيئة أبيهم آدم، وأن خلاصهم لا يتم إلا بصلب المسيح، وهذا يُثير إشكالًا حول مفهوم العدل الإلهي ومسؤولية الإنسان الفردية عن عمله.

وتركّز النصرانية على الإيمان والمحبة، إلا أنها لا تقدّم منظومة تشريعية مفصّلة في الاقتصاد والسياسة والحياة الاجتماعية. كما أن النظرة إلى الجنة والنار تركّز غالبًا على البعد المعنوي من القرب أو البعد عن الله، مع تقليلٍ نسبي في التفصيل المتعلق بالنعيم أو العذاب الحسي.

وإذا انتقلنا إلى اليهودية، فسنجد أن بعض نصوص التوراة تصف الله بصفات ذات طابع بشري، كالتعب أو الندم أو الغضب، على نحوٍ يُفهم منه الانفعال، ومن زاوية نقدية يُعدّ هذا مدخلًا إلى نوعٍ من التشبيه، إذ يُنسب إلى الخالق ما هو من خصائص المخلوق، مما يُخالف مفهوم التنزيه الكامل في التصور الإلهي.

كما يُؤخذ على التصور اليهودي للأنبياء أن بعض النصوص تنسب إلى عددٍ منهم أفعالًا تُعدّ طعنًا في مقام النبوة، مما يَمسّ بمكانة الأنبياء بوصفهم قدوةً أخلاقية.

وتوجد في اليهودية شعائر تعبدية، إلا أنها ليست موجهة للإنسانية عمومًا، بل هي مرتبطة ببني إسرائيل، كما أن كثيرًا من تفاصيلها لا يُفهم إلا عبر الشروح الحاخامية، مما يجعلها أقل وضوحًا واستقلالًا بالنص.

حينما نتأمل في الديانات الأخرى غير الإسلام، نجد إشكالاتٍ في بعض جوانبها، سواء في التصور العقدي أو التعبدي أو التشريعي، في حين أن الإسلام دينٌ متّسقٌ كاملٌ لا يظهر فيه تناقضٌ ولا خلل. يقول الله تعالى:

﴿ألَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ۚ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ(3)﴾ – الزمر

يذكر معجم اللغة المعاصرة أن من معاني الفعل “خَلَصَ” أنه صفا مما يشوبه، ومنه يُقال: “خلص السائل من الكدر”، وفي هذا التخليص إزالةٌ للشوائب وتنقيةٌ له مما يعكره.

﴿ألَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ يُبيّن الله تعالى أنه المنفرد بإنزال الدين النقي من كل الشوائب والانحرافات.

يقدّم الإسلام عقيدةً صافية تتحدث عن إلهٍ واحدٍ أحد، له السيطرة الكاملة على هذا الكون، وتدل أسماؤه الحسنى على كمال قدرته وسعة رحمته.

ويطرح الإسلام رؤيةً واضحة لأركان الإيمان بالله، وعلاقة ذلك بالعمل الصالح، كما يقدّم تصورًا حسّيًا ومعنويًا مفصّلًا عن الجنة والنار واليوم الآخر، وفي هذا كله يدعو المؤمنين إلى السعي للفلاح في الآخرة بالعمل الصالح.

والعبادات في الإسلام واضحةُ المعالم، سهلةُ الفهم، تُحقّق الإشباع الروحي من خلال التوجّه المباشر إلى الله تعالى، ويقدّم كذلك نصوصًا تشريعية واضحة وشاملة تنظّم حياة الناس في مجالات الاقتصاد والسياسة وسائر الجوانب الاجتماعية، وهذه النصوص قابلة للتكيّف والتطبيق في مختلف البيئات والأزمان.

ومن ينظر في بناء الإسلام يجد فيه اتساقًا منطقيًا وأخلاقيًا في مختلف جوانبه، فهو ﴿الدِّينُ الْخَالِصُ﴾، الصافي من الشوائب في كل أجزائه من عقيدة وعبادة وشريعة، وفي كلياته وجزئياته.

﴿ألَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ ما أعظم فضل الله على المسلمين، بل على البشرية قاطبة، إذ أنزل لهم هذا الدين الكامل، المُنَزَّه عن كل عيبٍ ونقص.  ﴿ألَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ وإن إنزال دينٍ خالصٍ لا تشوبه شائبةٌ أمرٌ لا يكون إلا من الله؛ إذ لا يقدر عليه سواه جلّ جلاله.

إذا كنت في البرية وعطشت وكان أمامك عينا ماء، فإنك ستملأ كأسين من الماء وتختار الكأس الذي لا يوجد به شوائب أو عوالق. ودين الله تعالى أشبه في نقائه وكماله ومنطقيته بكأس ماءٍ عذبٍ صافٍ شفاف، لا تُعكّر صفاءه شائبة، فما أحرانا أن نختاره، فننهل من صفائه، ونرتوي من كماله.

Facebook
X
LinkedIn
Scroll to Top