وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ

هو مسلم، ولكنه أفنى حياته يعمل قاضيًا لا يتورع عن أخذ الرشاوى، وذاك مسلم يعمل في التجارة، ولكنه قضى حياته وهو يُمارس أحطّ أنواع الغش والكذب والخداع وأكل الحقوق. ومسلمٌ آخر أكل حقوق ميراث أرحامه من أمٍّ أو أخواتٍ أو إخوةٍ صغارٍ ضعفاء.

هو مسلم بشهادة الميلاد، وقد يصوم ويصلي ويحج، ولكنه قضى حياته يعمل جاسوسًا للكفار على المسلمين. وذاك مسلم مارس الزنا إلى آخر لحظة من عمره، وتلك مسلمة قضت حياتها وهي لا تتورع عن الغيبة والنميمة وقول الزور.

وذلك مسلم قضى حياته وهو يتاجر في المخدرات، ومسلمٌ آخر لا يتوانى عن شهادة الزور، ومسلمٌ آخر جعل مهنته في الحياة البغاء والدعارة.

يعتقد بعض المسلمين أن كل مسلم سيدخل الجنة في النهاية، مرتكنين على حديث: «من قال لا إله إلا الله دخل الجنة»، متناسين أن في المقابل نصوصًا أخرى جاءت بالوعيد الشديد، مثل: «لا يدخل الجنة قتات»، و«لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر»، و«كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به»، و«لا يدخل الجنة عاق».

وهذه آيات في كتاب الله تعالى تتحدث عن حال أناس كانوا يُقرّون بالله تعالى بمقاييس دينهم وزمانهم، ولكنهم اقترفوا خطيئة عظيمة، مستندين إلى ظنّهم أنهم سيدخلون الجنة في النهاية مهما فحش ذنبهم. يقول الله تعالى:

﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ (79) وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً ۚ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80) بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81) ﴾-البقرة

عاش اليهود قبل وأثناء بعثة رسول الله ﷺ بين أقوامٍ ليس عندهم كتاب كالتوراة، وكانت هذه الأقوام متعطشة لوجود مثل هذا الكتاب في حياتها، ولديها رغبة في التعرف على ما فيه. فاستغلّ أحبارٌ من اليهود هذا الأمر، فكانوا يكتبون نسخًا من التوراة بأيديهم، ويبيعونها لهذه الأقوام، بعد أن يُضيفوا ما يشاؤون، ويمحوا ما لا يوافق أهواءهم، ومما محوه ذكرُ النبي ﷺ خشية أن تتبعه تلك الأقوام.

وكانوا يعلمون أن هذا ذنب عظيم، لكنهم استهانوا به وأصرّوا عليه، اعتمادًا على عقيدتهم: ﴿لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً﴾. وهنا يسألهم الله تعالى، ويسأل من على شاكلتهم من أصحاب المعاصي: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا﴾، أي: هل أعطاكم الله عهدًا أن يغفر لكم ذنبًا تُصرّون عليه ولا تتوبون منه؟ ثم يأتي الجواب: ﴿بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾.

﴿خَطِيئَتُهُ﴾ هناك خطايا يعملها الإنسان حتى تُصبح جزءًا من شخصيته ونفسيته وكيانه، مثل شاهد الزور، والمرتشي، وآكل الربا، والكذاب. ﴿بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ يصف الله تعالى أمثال هؤلاء بأن الخطيئة التي يعملونها تُحيط بهم، وهذه كناية عن كثرة ممارستهم لها وتكررها في مواضع وأزمنة متعددة.

﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ بعض أصحاب الخطايا يستغرقون في خطيئتهم حتى تراهم وقد انغمسوا فيها في الدنيا، فلا يتوقفون عن ممارستها. هؤلاء تُحيط بهم خطيئتهم في الآخرة حتى تكون سببًا في حرمانهم من نفحات رحمة الله تعالى، إلا أن يتداركهم الله بتوبةٍ أو مغفرة، ومغفرة الله لا تُنال مع الإصرار على الذنب.

﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إن من أعظم أسباب انغماس كثير من المسلمين في خطاياهم اللهثةُ على تحصيل المال بأي شكل. والمال عصب الحياة، فإذا جعل الإنسان هذا العصب الذي تُغذّى به حياته قائمًا على معصية الله، فإنه قد يمضي عليه عمره كله وهو غارق فيه، وفي أمثال هؤلاء يقول الله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾، وهذا تحذيرٌ ووعيدٌ شديدان من رب العباد.

﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ إن الخطيئة التي تُحيط بالإنسان حتى تُصبح جزءًا من حياته تتطلب جهدًا من المؤمن لكي يتحرر من حصارها وسيطرتها عليه، وهذا لا يتحقق بتمني مغفرة الله مع الاستمرار في ارتكابها، وإنما يتحقق بصدق الرجوع إلى الله، بالإقلاع عنها والتوبة منها.

Facebook
X
LinkedIn
Scroll to Top